في صيف 2019، كان رئيس ليفربول توم فيرنر يستعيد في مكتبه بملعب «فينواي بارك» في بوسطن ذكريات تتويج فريقه بدوري أبطال أوروبا قبل أسابيع في مدريد. وكان ذلك اللقب قد خفَّف من مرارة خسارة الدوري الإنكليزي الممتاز أمام مانشستر سيتي بفارق نقطة واحدة فقط. يومها جمع ليفربول 97 نقطة، وهو رقم لا يزال الأعلى لفريق أنهى الدوري وصيفاً، كما خسر مباراة واحدة فقط من أصل 38. ومع ذلك، تفوَّق عليه سيتي بقيادة بيب غوارديولا، بعدما حقّق 14 انتصاراً متتالياً في نهاية الموسم.
وقتذاك، كانت رابطة الدوري الإنكليزي الممتاز قد بدأت تحقيقاً رسمياً في انتهاكات محتملة لقواعد اللعب المالي النظيف. وعندما سُئل فيرنر عمّا إذا كان قلقاً من عدم تطبيق القواعد بالشكل المناسب، أكّد دعم ليفربول للعب المالي النظيف، قائلاً إنّ المخالفات يجب أن تؤدّي إلى عقوبات، وأنّ الجميع يجب أن يلتزموا بالقواعد بشفافية.
اعتراضات FSG بدأت مبكراً
لم تكن تلك المخاوف جديدة بالنسبة إلى مجموعة «فينواي الرياضية»، المالكة لليفربول. ففي عام 2011، وبعد إعلان سيتي عن صفقة رعاية قياسية بقيمة 400 مليون جنيه إسترليني مع «الاتحاد للطيران»، تساءل المالك الرئيسي لليفربول جون هنري علناً عن قيمة العرض الذي خسره المنافسون.
وكانت FSG قد اشترت ليفربول في عام 2010، لأنّها رأت في قواعد اللعب المالي النظيف وسيلة تسمح للأندية بالمنافسة وفق الإيرادات التي تحققها، بدلاً من الاعتماد على تمويل المالكين. ولم تكن المجموعة الأميركية مستعدة لتمويل النادي بالطريقة التي اتبعها رومان أبراموفيتش مع تشلسي أو الشيخ منصور مع سيتي، بل أرادت تطوير إيرادات ليفربول تدريجياً.
وفي عام 2014، أقرّ هنري أنّ تجاهل اللعب المالي النظيف كان أكبر تحدٍّ أمام ليفربول، لأنّه يجعل المنافسة صعبة للغاية.
عقوبات لم تقنع ليفربول
ازداد استياء FSG عندما فرض الاتحاد الأوروبي لكرة القدم غرامة قدرها 17 مليون جنيه إسترليني فقط على سيتي بسبب مخالفات اللعب المالي النظيف، مع تعليق 32 مليون جنيه إضافية.
ثم بدا أنّ الأمور ستتغيَّر عندما عوقب سيتي في شباط 2020 بالحرمان من دوري أبطال أوروبا لمدة عامَين بعد مخالفات إضافية. لكنّ محكمة التحكيم الرياضية ألغت الحظر بعد 5 أشهر، وخفّضت الغرامة من 30 مليون يورو إلى 10 ملايين، ما ترك لدى إدارة ليفربول شعوراً بأنّ سيتي أفلت من العقوبة بسبب مسألة تقنية. وكان يورغن كلوب واضحاً في انتقاده للقرار، مؤكّداً أنّ اللعب المالي النظيف وُجد لحماية المنافسة ومنع الأندية من الإنفاق بصورة مفرطة.
لقب آخر يفلت بفارق نقطة
ثبتت مخاوف كلوب في موسم 2021-2022، عندما أنهى ليفربول الدوري مرّةً أخرى خلف سيتي بفارق نقطة واحدة. وبذلك أصبحت المنافسة بين الناديَين أكثر من مجرد صراع رياضي؛ فقد ارتبطت في نظر مسؤولي FSG، بالسؤال حول ما إذا كانت القواعد نفسها قد طُبِّقت بالتساوي على الجميع. ومنذ توجيه أكثر من 100 تهمة إلى سيتي في شباط 2023، أصبح طول التحقيق والإجراءات القانونية مصدر إحباط متزايد لدى إدارة ليفربول.
إدانة سيتي بعد سنوات من الانتظار
في أيلول 2026، خَلُصَت اللجنة المستقلة إلى إدانة مانشستر سيتي في معظم التهم، قبل أن تنشر رابطة الدوري الإنكليزي الممتاز نسخة منقحة من تقريرها. وذكر التقرير أنّ سيتي أبرم «عقوداً صورية» مع شركاء تجاريّين بهدف تضخيم إيرادات النادي وخفض تكاليفه، بما يزيد على 900 مليون جنيه إسترليني بين عامَي 2009 و2018.
وكانت النتيجة متوقعة بالنسبة إلى FSG، لكنّ عدم صدور عقوبة حتى الآن يعني أنّ إدارة ليفربول تلتزم الصمت، خصوصاً مع استعداد سيتي للاستئناف واستمراره في تأكيد براءته.
ليفربول يرى نفسه المتضرّر الأكبر
إذا بقيت أحكام الإدانة قائمة، فإنّ ليفربول سيكون من أكثر الأندية تضرُّراً. فإلى جانب خسارتَي الدوري أمام سيتي بفارق نقطة في 2018-2019 و2021-2022، هناك أيضاً موسم 2013-2014، عندما خسر ليفربول اللقب أمام سيتي في اليوم الأخير.
في ذلك الصيف، أنفق سيتي نحو 91 مليون جنيه إسترليني على فرناندينيو وخيسوس نافاس وألفارو نيغريدو وستيفان يوفيتيتش ومارتن ديميكيليس، أي أكثر من ضعف إنفاق ليفربول في فترة الانتقالات نفسها.
ويبقى السؤال المؤلم: لو التزم سيتي بالقواعد ولم يمتلك ذلك العمق الهائل في تشكيلته، هل كان ستيفن جيرارد سيحصل على لقب الدوري الذي كان يحلم به، بعدما أصبحت زلّته الشهيرة أمام تشلسي إحدى أكثر لحظات موسم 2013-2014 كلفة؟
لا شيء يُعيد ما فُقد
حتى لو انتهت القضية بعقوبات قاسية، تبدو إعادة توزيع الألقاب أمراً مستبعداً. فالألقاب في كرة القدم ليست مجرّد أرقام في السجلات؛ إنّها لحظات وذكريات لا يمكن استعادتها بعد سنوات. وقد تكون هناك عقوبات مالية ضخمة، وخصم كبير من النقاط، وربما هبوط إلى درجات أدنى، فضلاً عن مطالبات بالتعويض من أندية بينها ليفربول. لكنّ الأموال التي قد يستعيدها النادي مستقبلاً لن تعوِّضه عمّا خسره في الملعب.
وتؤكّد تفاصيل التحقيق، بما فيها اتهامات اللجنة لعدد من شهود سيتي، بتقديم أدلة كاذبة وعدم تعاون النادي، حجم القضية. كما تمنح النتيجة FSG دعماً لموقفها القديم، بأنّ قواعد اللعب المالي النظيف لم تكن تُحترَم أو تُطبَّق بالشكل المطلوب.
لكن بالنسبة إلى ليفربول، لا يمكن اعتبار ذلك انتصاراً. فحتى لو ثبتت المخالفات وصدرت العقوبات، تبقى الألقاب والمباريات واللحظات التي يعتقد النادي أنّه حُرم منها شيئاً لا يمكن لأي تعويض مالي أن يُعيده.